عثمان بن جني ( ابن جني )
215
الخصائص
باب في الاحتجاج بقول المخالف اعلم أن هذا - على [ ما في ] ظاهره - صحيح ومستقيم . وذلك أن ينبغ من أصحابه نابغ فينشئ خلافا ما على أهل مذهبه ، فإذا سمّع خصمه به ، وأجلب عليه قال : هذا لا يقول به أحد من الفريقين ؛ فيخرجه مخرج التقبيح له ، والتشنيع عليه . وذلك كإنكار أبى العبّاس " 1 " جواز تقديم خبر ( ليس ) عليها ؛ فأحد ما يحتجّ به عليه أن يقال له : إجازة هذا مذهب سيبويه وأبى الحسن وكافّة أصحابنا ، والكوفيّون " 2 " أيضا معنا . فإذا كانت إجازة ذلك مذهبا للكافّة من البلدين وجب عليك - يا أبا العبّاس - أن تنفر عن خلافه ، وتستوحش منه ، ولا تأنس بأوّل خاطر يبدو لك فيه . ولعمري إن هذا ليس بموضع قطع على الخصم ؛ إلا أن فيه تشنيعا عليه ، وإهابة به إلى تركه ، وإضاقة " 3 " لعذره في استمراره عليه ، وتهالكه فيه ، من غير إحكامه وإنعام الفحص عنه . وإنما لم يكن فيه قطع لأن للإنسان أن يرتجل من المذاهب ما يدعو إليه القياس ، ما لم يلو بنصّ أو ينتهك حرمة شرع . فقس على ما ترى ؛ فإنني إنما أضع من كل شيء مثالا موجزا . * * *
--> ( 1 ) أبو العباس هو المبرد . ( 2 ) ذهب الكوفيون إلى أنه لا يجوز تقديم خبر " ليس " عليها ، وإليه ذهب أبو العباس المبرد من البصريين ، وزعم بعضهم أنه مذهب سيبويه ، وليس بصحيح ، والصحيح أنه ليس له في ذلك نص . وذهب البصريون إلى أنه يجوز تقديم خبر " ليس " عليها كما يجوز تقديم خبر كان عليها . الإنصاف 1 / 160 المسألة 18 . ( 3 ) الإضافة : التضييق .